فصل: موعظة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.موعظة:

عباد الله إنما حرم الله عليكم الخمر لما فيه من الأضرار والأخطار، وما منعكم من شربها إِلا لما ينشأ عن ذَلِكَ من المفاسد والشرور والأضرار، فشارب الخمر ملعون على لسان نبيكم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وسلم وبائعها، وشاريها، وعاصرها ومعتصرها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، ومدمن شربها لا يدخل الْجَنَّة، بل يدخل النار ويسقى من طينة الخبال، عرق أَهْل النار وورد أن مدمن الخمر كعابد وثن فشارب الخمر مفسد لدينه، ومفسد لجسمه، وصحته وجان على نَفْسهُ، وعلى أولاده، وأقاربه، وأهله وجيرانه ومفرط في ماله ومسرف فيه وعابث بكرامته، وساع إلى الشر والفساد بيده، ورجله، ولِسَانه، وصائل، خبيث على الخلاق والأديان شارب الخمر عضو مسموم في جسم مواطنيه إذا لم يبادروه بالعلاج أو يقطعوه أصابهم ضرره، شارب الخمر يزين الشر ويحسنه، لبنيه، وبناته، وأصدقائه ويدعوهم بلسان حاله ومقاله، وأنتم تعلمون أن داعي الفساد مجاب قي كُلّ زمان ومكَانَ وأنصاره بلا عدٍّ ولا حسبان، وإذا دبت الخمر في رأس شاربها فقَدْ شعوره، وزنى، ولاط، أو ليط به، وجَاءَ بأنواع الفحش، والفجور، وسب وشتم، وقذف، ولعن، وطلق وسب الدين والمسلمين بل ربما وقع على أمه، أو بنته أو أخته أو على نساء جيرانه أو على بهائمه، وَرُبَّمَا كفر بِاللهِ وارتد عن الإسلام، وترك الصَّلاة، وأفطر في رمضان، وسب القرآن، وبالجملة أن من تعاطى الخمر سقط من شاهق مجده إلى مستوى الخنازير، والقردة يصدق بهَذَا من عاين شارب الخمر وقَدْ استولى عَلَيْهِ الشراب وغطى عقله فتَرَى من يقوده متعب، يجره كما يجر الدابة الحرون بل الدابة تمشي احيانَا هادئة إذا جرت لا تتعب القائد دائمًا، وأما السكران فيميل بقائده هكَذَا وهكَذَا حتى يكلفه متاعب عظيمة، والدابة إذا رأت حفرة امتنعت عَنْهَا وتباعدت عَنْهَا، أما شارب الخمر فتَكُون الحفرة أمامه، ويسقط فيها، والدابة ربما دافعت عن طعامها وشارب الخمر تسلب منه النقود، ولا يحصل منه أدنى ممانعة، ومعنى هَذَا أن البهيمة أرجح وأحسن حالاً منه وقَدْ قال الخبير بأحوال شراب الخمر: من أراد أن يعرف قدر السكير فلينظر إلى قهقهته، وضحكه، والخمار يوالي الصفعات على قفاه، ولينظر رقصه أمام البزور، كأنه قرد يرقصه صاحبه، ليضحك من يراه، ولينظره وَهُوَ يجري وراء أمه، أو بنته، ليقضي منها حاجته ومناه، ولينظر وامرأته تكنس ملابسه وتمسحها من الأوساخ التي يقذفها على ثيابه، والقاذورات، هَذَا قدر شارب الخمر عندنا، أما عَنْدَ الله عَزَّ وَجَلَّ فهو كعابد وثن ملعون نسأل الله جَلَّ وَعَلا أن يعصمنا وإخواننا المسلمين منها ومن سائر المعاصي وأن يلطف بنا ويوفقنا.
أَتَعْصِي اللهَ وَهُوَ يَرَاكَ جَهْرًا ** وَتَنْسَى فِي غَدٍ حَقًا لِقَاهُ

وَتَخْلُوا بِالْمَعَاصِي وَهُوَ دَانٍ ** إليك وَلَسْتَ تَخْشَى مِنْ سُطَاهُ

وَتُنْكُرُ فِعْلَهَا وَلَهُ شُهُودٌ ** عَلَى الإِنْسَانِ تُكْتُبُ مَا حَوَاهُ

فَوَيْلُ الْعَبْدِ مِنْ صُحْف وَفِيهَا ** مَسَاوِيهِ إِذَا وَافَى مَسَاهُ

وَيَا حُزْنَ الْمُسِيءِ لِشُؤْمِ ذَنْبٍ ** وَبَعْدَ الْحُزْنِ يَكْفِيهِ جَوَاهُ

وَيَنْدَمُ حَسْرَةً مِنْ بَعْدِ فَوْتٍ ** وَيَبْكِي حَيْثُ لا يُجْدِي بُكَاهُ

يَعَضُّ يَدَيْهِ مِنْ أَسَفٍ وَحُزْنٍ ** وَيَنْدَمُ حَسْرَةً مِمَّا دَهَاهُ

فَكُنْ بِاللهِ ذَا ثِقَةٍ وَحَاذِرٍ ** هُجُومَ الْمَوْتِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَرَاهُ

وَبَادِرْ بِالْمَتَابِ وَأَنْتَ حَيٌّ ** لَعَلَّكَ أَنْ تَنَالَ بِهِ رِضَاهُ

وَتَقْفُ الْمُصْطَفَى خَيْرَ الْبَرَايَا ** رَسُولاً قَدْ حَبَاهُ وَاجْتَبَاهُ

عَلَيْهِ مِنْ الْمُهَيْمِنِ كُلِّ وَقْتٍ ** سَلامٌ عَطَّرَ الدُّنْيَا شَذَاهُ

اللَّهُمَّ يا عَظِيم العفو يا واسع المغفرة يا قريب الرحمة، يا ذا الجلال والإكرام اللَّهُمَّ أذقنا عفوك وغفرانك واسلك بنا طَرِيق مرضاتك. وعاملنا بلطفك وإحسانك واقطع عنا ما يبعد عن طَاعَتكَ اللَّهُمَّ وثَبِّتْ محبتك في قلوبنا وقوها ويسر لنا ما يسرته لأوليائك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

.فَصْل في حكم نجاسة الخمر والتداوي بها:

واعْلَمْ أن الخمر نجسة يغسل ما أصابته من بدن أو ثوب أو إناء ويصب على ما أصابته من الأَرْض ماء كنجاسة البول لما في حديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا بأرض قوم أَهْل كتاب يأكلون الخنزير ويشربون الخمر أفنأكل في آنيتهم قال: «لا، إِلا أن تجدوا غيرها، فاغسلوها ثُمَّ كلوا فيها».
ولا يجوز التداوي بالخمر لما في صحيح مسلم عن طارق بن سويد الجعفي انه سال النَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فَقَالَ: أصنعها للدواء فَقَالَ: «إنه لَيْسَ بدواءٍ ولكنه داء». وروى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عَلَيْهِ وسلم: «إن الله انزل الداء والدواء وجعل لكل داءٍ دواء، فتداووا ولا تتداووا بالمحرم».
وذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم وفي السُّنَن عن أَبِي هُرَيْرَةِ قال: نهى رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلم عن الدواء الخبيث. وفي السُّنَن انه صلى الله عَلَيْهِ وسلم سئل عن الخمر يجعل في الدواء؟ فَقَالَ: «إنها داء ولَيْسَ بالدواء». رواه أبو داود والترمذي، ويذكر عَنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وسلم أنه قال: «من تداوى بالخمر فلا شفاه الله».
وقَدْ نبه ابن القيم رجمه الله على جانب نفسي هام فَقَالَ: وها هنا سر لطيف في كون المحرمَاتَ لا يستشفى بها فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته وما جعل الله فيه من بركة الشفاء فإن النافع وهو المبارك وأنفع الأَشْيَاءِ أبركها والمبارك من النَّاس هُوَ الَّذِي ينتفع به حيث حل ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مِمَّا يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول بل كُلَّما كَانَ الْعَبْد أعظم إيمانَا كَانَ أكره لها وأسوأ اعتقادًا فيها وطبعه أكره شَيْء لها فإذا تناولها في هذه الحال كانت داءٌ لا دواءً إِلا أن يزول اعتقاد الخبث فيها وسوء الظن والكراهة بالمحبة وهَذَا ينافي الإِيمَان فلا يتناولها المُؤْمِن قط إِلا على وجه أنها داء. انتهى.
ومن ذَلِكَ تلك المواد التي تعرف باسم المخدرات مثل الحشيش، والكوكايين، والأفيون ونحوها مِمَّا عرف أثرها عَنْدَ متعاطيها أنها تؤثر في العقل فيرى الْبَعِيد قريبًا وبالعكس القريب بعيدًا ويذهل عن الواقع ويتخيل ما لَيْسَ بواقع ويسبح في بحر من الأوهام والأحلام وهَذَا ما يريد متعاطيها لأجل أن يذهلوا أنفسهم وينسوا دينهم ودنياهم ويهيموا في أودية الخيال.
وهَذَا غير ما تحدثه من فتور في الجسم وخدر في الأعصاب وهبوط في الصحة وفوق ذَلِكَ ما تحدثه من خور في النفس وتحلل الإرادة وتمييع للخلق وتضعيف للشعور بالواجب مِمَّا يجعل هؤلاء التعساء المدمنين لها أعضاء مضرة بالمجتمَعَ فضلاً عما وراء ذَلِكَ من إتلاف الأموال وخراب البيوت.
وَقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه ما خلاصته: إن هذه الحشيشة الملعونة هِيَ وآكلوها ومستحلوها الموجبة لسخط الله ورسوله وسخط عباده الْمُؤْمِنِين المعرضة صاحبها لعقوبة الله تشتمل على ضررٍ في دين المرء وعقله وخلقه وطبعه وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقًا كثيرًا مجانين، وتورث من مهانة آكلها ودناءة نَفْسهُ وغير ذَلِكَ.
فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر ولهَذَا قال الْفُقَهَاء: إنه يجب فيها الحد كما يجب في الخمر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين.
ومن استحل ذَلِكَ وزعم أنه حلال فإنه يستتاب فإن تاب وإِلا قتل مرتدًا لا يصلى عَلَيْهِ ولا يدفن في مقابر المسلمين.
إِلَى كَمْ ذَا التَّمَادِي بِالدَّسَائِسْ ** وَأَنْتَ بِحَمْأَةِ الْبُهْتَانِ غَاطِسْ

تُسَاعِدُ كُلَّ نَمَّامٍ بِإِفْكٍ ** وَتَغْتَالُ الأَكَارِمَ وَالأَوَانِسْ

تُسَابِقُ كُلَّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ** بِمَا تُبْدِيهِ مِنْ فِتَنِ الْوَسَاوِسْ

أَضَعْتَ الْعُمْرَ فِي زُورٍ وَوِزْرٍ ** وَلَهْوٍ مَعَ ذَوِي الْغَدْرِ الأَبَالِسْ

فَعَجِّلْ بِالْمَتَابِ لِنَيْلِ عَفْوٍ ** لِتُحْبَى مِنْ جَنَا مَا أَنْتَ غَارِسْ

وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

.فصل في بعض مضار الخمر:

ونسوق إليك نموذجًا من مضار الخمر مِمَّا ذكره الْعُلَمَاء والأطباء:
1- أنها فساد في الدين.
2- أنها فساد في الأَخْلاق.
3- أنها فساد في العقل.
4- أنها فساد في الجسم تحطم قوته وتهدم بنيته وتسقم الجسد.
5- أنها فساد في الذرية.
6- أنها جناية على الشرف.
7- أن الخمر رجس من عمل الشيطان.
8- أنها نجسة، تنجس ما اتصلت به.
9- أنها تورث الذل والمهانة.
10- أن ضررها متعدٍ.
11- أنها تضر اقتصاديًا.
12- ما فيها من الضَّرَر الاجتماعي.
13- أن الجهاز الهضمي يصاب بالنزلة المعوية الحادة فيحصل فساد في الهضم وخمود في المعدة والتهاب في الأمعاء واستحالة في منسوج الكبد وتيبس والتهاب وتغير فيه وأخيرًا تفتت الكبد وتتلف وتنتهي حَيَاتهُ.
14- أن الجهاز البولي والتناسلي يحصل فيه تنبه، ينشأ عَنْهُ التهاب الكلى وفساد منسوجها وضعف الانعاظ وضياع محصل النسل.
15- الجهاز العصبي يصاب المخ باضطراب يكون منه الجنون السكري والخوف والخيالات المختلفة كرؤية الهيئات الشنيعة والارتعاش وفقَدْ الإحساس والشلل المحدود الَّذِي يؤول إلى شللٍ عمومي وقَدْ تؤدي الخمر إلى الصراع والتشنج واستحالة المراكز العصبية المخية الشوكية وعلى العموم يحصل في البنية اضطراب تضعف أمامه عن مقاومة المؤثرات الخارجية.
16- أنه يعتري الْقَلْب ضمور والاستحالة الشحمية فينشأ عن ذَلِكَ إبطاء في الدورة الدموية بالرئة تحدث عَنْهُ النزل الشعبية وموت الفجأة.
17- أنه يسبب انسداد في بعض أوعية الرئة وَذَلِكَ ما تعرف أعراضه بالسعال.
18- أنها تعرقل هضم الطعام فينشأ عن ذَلِكَ التخم والحموضة في المعدة والقيء.
19- تضعف المناعة وتخدر الكرات الدموية البيضاء التي يجعلها الله حارسة لجسم الإِنْسَان.
20- التعريض لفجأة ذهاب البصر.
21- مبادرة انقطاع شهوة الجماع وسرعة وقوف النسل.
22- أن أكثر حوادث السيارات من شراب الخمر والمخدرات وبالحَقِيقَة أن الشيطان يصد الشارب عن ذكر الله وعن الصَّلاة ويوقعه في معصية الله وسخطه ويعرضه لخزي الدُّنْيَا وعذاب الآخِرَة يرتكب الكبائر ويقترف الجرائم والآثام ويخبط في الحرام، ويتجنب ما وجب عَلَيْهِ من الأحكام، فيفعل نكرًا وينطق بالعظائم من القول والزور ويسب ربه وأمه وأباه ويطلق ويزني ويلوط ويعبث بالأعراض والكرامَاتَ ويتلف أثاثه وأمواله ويوسخ ثيابه ويبول على نَفْسهُ ويبكي بلا سبب ويضحك من غير عجب فتهزأ به الصبيان ويعبث به الفساق ويسخر به السفهاء ويمقته العقلاء ويبغضه أهله للخطر المتوقع منه في سكره ليلاً ونهارً ويمقته جيرانه ولا يأمنون من وثباته إذا سكر ولا شك إن فتك أن الخبائث الخمر أشد من فتك الطاعون والحرب والمجاعات والعاهات لإن ضرر الخمر اقتصادي وصحي ونفسي واجتماعي وأخلاقي.
فشاربها عضو مسموم في جسم أمته ومواطنيه إن لم يعالج أو يسِوَى له عملية ويقطع سرى سمه وداؤه الفتاك إلى سائر الأعضاء وأثر على الجسم كله.
وقيل لعدي بن حَاتِم: مالك لا تشرب الخمر؟ فَقَالَ: ما أحب أن أصبح حكيم قومي وأمسي سفيههم وكَانَ بعض الملوك يجمَعَ أفاضل دولته ويلقي عَلَيْهمْ أسئلة علمية يتعرف بها فضلهم فيومًا حضر هَذَا المجلس رجل رث الهيئة فكَانَ إذا انتهى الْعُلَمَاء من إجابتهم تكلم بما لم يحم حوله واحد مِنْهُمْ وكَانَ ذَلِكَ حاله في كُلّ سؤال ولما انصرف الْعُلَمَاء أراد أن ينصرف هُوَ أيضًا فأشار إليه الملك أن لا ينصرف فَلَمَّا خليا أدناه الملك ثُمَّ أدناه حتى أجلسه إلى جنبه ثُمَّ عرض عَلَيْهِ كأسًا من الخمر فاستعفى فألح عَلَيْهِ أن يشربها فاستعفى وأخبره أنه لا يريدها ثُمَّ قال للملك: إني الآن في مجلس يحسدني عَلَيْهِ النَّاس جميعًا وَهُوَ إحسان ومكَانَ عَظِيم لم يوصلني إليه إِلا عقلي فلا أسيء إلى عقلي أبدًا باحتساء كأس من الخمر يقضي عَلَيْهِ فازداد إعجاب الملك به وازداد فضلاً عنده على فضله ولعله كَانَ يختبره بذَلِكَ.
وختامًا فإن الفلاح مرجو حصوله باجتنابها قال عز من قائل: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
نسأل الله أن يوقظ ولاتنا فيأخذوا على أيدي السفهاء منا ويزيل ما حدث من هذه المنكرات، وأن يوقفنا وَجَمِيع المسلمين لطاعته، ويتوفانا مسلمين، ويلحقنا بعباده الصالحين، وَيَغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ وَيَرْحَمْنَا بِرَحْمَتِهِ أنَّهُ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

.فصل في التحذير عن المسكرات:

وَإِيَّاكَ شُرْبًا لِلْخُمُورِ فَإِنَّهَا ** تُسَوَّدُ وَجْهَ الْعَبْدِ فِي اليوْمِ مَعْ غَدِ

أَلا إِنْ شُرْبَ الْخَمْرِ ذَنْبٌ مُعَظَّمٌ ** يُزِيلُ صِفَاتِ الآدَمِي الْمُسَدَّدِ

فَيَلْحَقُ بِالأَنْعَامِ بَلْ هُوَ دُونَهَا ** يُخَلِّطُ فِي أَفْعَاله غَيْرَ مُهَْدِ

وَيَسْخَرُ مِنْهُ كُلُّ رَاءٍ لِسُوءِ مَا ** يُعَايِنُ مِنْ تَخْلِيطِهِ وَالتَّبَدُدِ

يُزِيلُ الْحَيَا عَنْهُ وَيَذْهَبُ بِالْغِنَا ** وَيُوقِعُ فِي الْفَحْشَا وَقَتْلِ الْمُعَرْبَدِ

وَكُلُّ صِفَاتِ الذَّمِ فِيهَا تَجَمَّعَتْ ** كَذَا سُمِّيتَ أُمَّ الْفُجُورِ فَاسْنِدِ

فَكَمْ آيَةٍ تُنْبِي بِتَحْرِيمِهَا لِمَنْ ** فَكَمْ آيَةٍ تُنْبِي بِتَحْرِيمِهَا لِمَنْ

وَقَدْ لَعَنَ الْمُخْتَارُ فِي الْخَمْرِ تِسْعَةً ** رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ خَيْرِ مُرْشِدِ

وَأَقْسَمَ رَبُّ الْعَرْشِ أَنْ لَيُعَذِّبَنْ ** عَلَيْهَا رَوَاهُ أَحْمَدٌ عَنْ مُحَمَّدِ

وَمَا قَدْ أَتَى فِي حَظْرِهَا بَالِغٌ إِذَا ** تَأَمَلْتَهُ حَدَّ التَّوَاتُرِ فَاهْتَد

وَاجْمَعْ عَلَى تَحْرِيمِهَا النَّاسُ كُلُّهُمْ ** فَكَفِرْ مُبِيحِيهَا وَفِي النَّارِ خَلِّدِ

وَإِدْمَانِهَا إِحْدَى الْكَبَائِرِ فَاجْتَنِبْ ** لَعَلَّكَ تُحْظَى بِالْفَلاحِ وَتَهْتَدِي

وَيَحْرُمُ مِنْهَا النَّزْرُ مِثْلَ كَثِيرِهَا ** ولَيْسَتْ دَاوَءً بِلْ هِيَ الدَّاءُ فَابْعِدِ

فَمَا جَعَلَ اللهُ الْعَظِيمَ دَوَاءَنَا ** بِمَا هُوَ مَحْظُورٌ بِمِلَّةِ أَحْمَدِ

وَكُلُّ شَرَابٍ إِنْ تَكَاثَرَ مُسْكِرٌ ** يُحَرَّمُ مِنْهُ النَّزْرُ بِالْخَمْرِ فَاعْدِدِ

وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا ** وَلَوْ كَانَ مَطْبُوخًا بِغَيْرِ تَقَيُّدِ

فَسِيَّانَ مِنْ بُرٍّ وَمِنْ ذُرَةٍ وَمِنْ ** شَعِيرٍ وَتَمْرٍ أَيْ وَكُلِّ مُعَوَّدِ

سِوَى لِظَمَا الْمُضْطَّرِ إِنْ مُزِجَتْ بِمَا ** يُرَوِّي وَلِلْمُغْتَصِّ إجْمَاعًا ازْرُدِ

ثَمَانِينَ فَاجْلِدْ مُسْلِمًا شَارِبًا رِضَى ** عَلَيْهَا بِاسْكَارِ الْكَثِيرِ الْمُزَبِّدِ

وَمَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ بِغَيْرِ تَزَيُّدٍ ** فَلا غُرْمَ فِيهِ وَلْيُغَسَّلْ وَيُلْحَد

.موعظة:

عباد الله إن مفتاح سعادة المرء في دنياه وأخراه أن يراقب مولاه بحيث يكون في كُلّ حال من أحواله مستحضرًا عظمة ربه وجلاله ولا ينساه مؤمنًا بأنه تَعَالَى يراه أينما كَانَ ويعلم سره ونجواه فمن كَانَ هكَذَا أورثه ذَلِكَ خشية ربه في سره وعلانيته، فإذا خاف الإِنْسَان ربه خوفًا صحيحًا وقف ولابد عِنْدَمَا حد له من حدود يفعل أوامره ويجتنب نواهيه لا يحمله على ذَلِكَ إِلا إجلاله لربه، ومن أبعد الْعَبْد أن يقرب المعصية من كَانَ هكَذَا، لأنه يستحضر أن الله تَعَالَى يراه، ويوقن أن الله تَعَالَى يجازيه على كُلّ ما قدم من طاعة أو معصية فإذا وصل الْعَبْد إلى هذه الحالة كَانَ مَعَ توفيق الله له من صفوة خلق الله المتقين الَّذِينَ لله تَعَالَى بِهُمْ عناية فوق ما يتصوره المتصورون هُوَ أنه تَعَالَى أخبره عن مبلغ هذه العناية في اْلكِتَاب المبين أخبر تَعَالَى أنه معهم لما هم عَلَيْهِ مِمَّا وفقهم له من تقوى وإحسان، وإذا كَانَ الأَمْر هكَذَا. فمن يغلب التقي ومعه القاهر الغلاب ومن يذله ومعه من بيده ناصية كل مخلوق ومن يحوجه ومعه من كُلّ العوالم تتقلب في بحبوحة جوده وكرمه الباهر، ومن يشقيه ومعه من لا سعادة إِلا وهي من فيض كرمه وإحسانه. فعَلَيْكَ بلزوم تقوى الله وطاعته تنل السعادة في الدُّنْيَا والآخِرَة، قال صل الله عَلَيْهِ وسلم: «أفضل الإِيمَان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت». رواه الطبراني وصلى الله على نبينا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قصيدة وعظية زهدية ألق لها سمعك
أَعَارَتْكَ دُنْيًا مُسْتَرَدٌّ مُعَارُهَا ** غَضَارَةَ عَيْشٍ سَوْفَ يَذْوِي اخْضِرَارُهَا

وَهَلْ يَتَمَنَّى الْمُحْكَمُ الرَّأْي عِيشَةً ** وَقَدْ حَانَ مِنْ دُهْمِ الْمَنَايَا مَزَارُهَا

وَكَيْفَ تَلَذُّ الْعَيْنُ هَجْعَةَ سَاعَةٍ ** وَقَدْ طَالَ فِيمَا عَايَنَتْهُ اعْتِبَارُهَا

وَكَيْفَ تَقِرُّ النَّفْسُ فِي دَارِ نُقْلَةٍ ** قَدْ اسْتَيْقَنَتْ أَنْ لَيْسَ فِيهَا قَرَارُهَا

وَإِنِّي لَهَا فِي الأَرْضِ خَاطِرُ فِكْرَةٌ ** وَلَمْ تَدْرِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَيْنَ مَحَارُهَا

أليس لَهَا فِي السَّعْيِ لِلْفَوْزِ شَاغِلٌ ** أَمَا فِي تَوَقِّيهَا الْعَذَابَ ازْدِجَارُهَا

فَخَابَتْ نُفُوسُ قَادَهَا لَهْو سَاعَةٍ ** إِلَى حَرِّ نَارٍ لَيْسَ يَطْفَى أَوَارُهَا

لَهَا سَائِقٌ حَادِ حَثِيثٌ مُبَادِرٌ ** إِلَى غَيْرِ مَا أَضْحَى إليه مَدَارُهَا

تُرَادُ لأَمْرٍ وَهِيَ تَطْلُبُ غَيْرَهُ ** وَتَقْصِدْ وَجْهًا فِي سِوَاهُ سِفَارُهَا

أَمُسْرِعَةٌ فِيمَا يَسُوءُ قِيَامُهَا ** وَقَدْ أَيْقَنَتْ أَنَّ الْعَذَابَ قُصَارُهَا

تُعَطَّلُ مَفْرُوضًا وَتَعْنَى بِفَضْلَةٍ ** لَقَدْ شَفَّهَا طُغْيَانُهَا وَاغْتِرَارُهَا

إِلَى مَا لَهَا مِنْهُ الْبَلاءَ سُكُونُهَا ** وَعَمَّا لَهَا مِنْهُ النَّجَاحُ نِفَارُهَا

وَتُعْرِضُ عَنْ رَبٍّ دَعَاهَا لِرُشْدِهَا ** وَتَتَبعُ دُنْيًا جَدَّ عَنْهَا فِرَارُهَا

فَيَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ بَادِرْ بِرَجْعَةٍ ** فَلِلَّهِ دَارٌ لَيْسَ تَخْمُدُ نَارُهَا

وَلا تَتَخَيَّرْ فَانِيًا دُونَ خَالِدٍ ** دَلِيلٌ عَلَى مَحْضِ الْعُقُولِ اخْتِيَارُهَا

أَتَعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا تَرَكْتَهُ ** وَتَسْلُكُ سُبْلاً لَيْسَ يَخْفَى عَوَارُهَا

وَتَتْرُكَ بَيْضَاءَ الْمَنَاهِجَ ضِلَّةً ** لِبَهْمَاءَ يُؤْذِي الرِّجْلَ فِيهَا عُثَارُهَا

تُسَرُّ بِلَهْوٍ مُعْقِبٍ بِنَدَامَةٍ ** إِذَا مَا انْقَضَى لا يَنْقَضِي مُسْتَثَارُهَا

وَتَفْنَى اللَّيَالي وَالْمَسَرَّاتُ كُلَّهَا ** وَتَبْقَى تِبَاعَاتُ الذُّنُوبِ وَعَارُهَا

فَهَلْ أَنْتَ يَا مَغْبُونُ مُسْتَيْقِظٌ فَقَدْ ** تَبَيَّنَ مِن سِرِّ الْخُطُوبَ اسْتِتَارُهَا

فَعَجِّلْ إِلَى رِضْوَانِ رَبِّكَ وَاجْتَنِبْ ** نَوَاهِيَهُ إِذْ قَدْ تَجَلَّى مَنَارُهَا

تَجِدُّ مُرُورُ الدَّهْرِ عَنْكَ بِلاعِبِ ** وَتُغْرِي بِدُنْيَا سَاءَ فِيكَ سَرَارُهَا

فَكَمْ أُمَّةٍ قَدْ غَرَّهَا الدَّهْرُ قَبْلَنَا ** وَهَاتِيكَ مِنْهَا مُقْفِرَاتٌ دِيَارُهَا

تَذَكَّرْ عَلَى مَا قَدْ مَضَى وَاعْتَبِرْ بِهِ ** فَإِنَّ الْمُذَكِّي لِلْعُقُولِ اعْتِبَارُهَا

تَحَامَى ذُرَاهَا كُلَّ بَاغٍ وَطَالِبٍ ** وَكَانَ ضَمَانًا فِي الأَعَادِي انْتِصَارُهَا

تَوَافَتْ بِبَطْنِ الأَرْضِ وَأَنْشَتَّ شَمْلُهَا ** وَعَادَ إِلَى ذِي مُلكةِ مُسْتَعَارُهَا

وَكَمْ رَاقِدٍ فِي غَفْلَةٍ عَنْ مَنِيَّةٍ ** مُشَمِّرَةٍ فِي الْقَصْدِ وَهُوَ سِعَارُهَا

وَمَظْلَمَةٍ قَدْ نَالَهَا مُتَسَلِّطٌ ** مُذِّلٌ بِأَيْدٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ ثَأْرُهَا

أَرَاكَ إِذَا حَاوَلْتَ دُنْيَاكَ سَاعِيًا ** عَلَى أَنَّهَا بَادٍ إليك أَزْوُرَارُهَا

وَفِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ يُقْعِدُكَ الْوَنَى ** وَتُبْدِي أَنَاةً لا يَصِحُّ اعْتِذَارُهَا

تُحَاذِرُ إِخْوَانًا سَتَفْنَى وَتَنْقَضِي ** وَتَنْسَى الَّتِي فَرْضٌ عَلَيْكَ حِذَارُهَا

كَأَنِّي أَرَى مِنْكَ التَّبَرَّمَ ظَاهِرًا ** مُبِينًا إِذَا الأَقْدَارِ حُلَّ اضْطِرَارُهَا

هُنَاكَ يَقُولُ الْمَرْءُ مَنْ لِي بِأَعْصُرٍ ** مَضَتْ كَانَ مِلْكًا فِي يَدَيَّ خِيَارُهَا

تَنَبَّهْ لِيَوْمٍ قَدْ أَظَلَّكَ وِرْدُهُ ** عَصِيبٍ يُوَافِي النَّفْسَ فِيهِ احْتِضَارُهَا

تَبَرّأ فِيهِ مِنْكَ كُلُّ مُخَالِطٍ ** وَأَنَّ مِن الآمَالِ فِيهِ انْهِيَارُهَا

فَأَوْدَعْتُ فِي ظَلْمَا ضَنْكٍ مَقَرُّهَا ** يَلُوحُ عَلَيْهَا لِلْعُيُونِ اغْبِرَارُهَا

تُنَادِي فَلا تَدْرِي الْمُنَادِي مُفْرَدًا ** وَقَدْ حُطَّ عَنْ وَجْهِ الْحَيَاةِ خِمَارُهَا

تُنَادَى إِلَى يَوْمٍ شَدِيدٍ مُفَزِّعٍ ** وَسَاعَةِ حَشْرٍ لَيْسَ يَخْفَى اشْتِهَارُهَا

إِذَا حُشرتْ فِيهِ الْوُحُوشُ وَجُمِّعَتْ ** صَحَائِفُنَا وَانْثَالَ فِينَا انْتِثَارُهَا

وَزُيَّنَتِ الْجَنَّاتِ فِيهِ وَأَزْلَفَتْ ** وَأُذِكيَ مِنْ نَارِ الْجَحِيمِ اسْتِعَارُهَا

وَكُوِّرَتِ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةِ بِالضُّحَى ** وَأُسْرِعَ مِنْ زَهْرِ النُّجُومِ انْكِدَارُهَا

لَقَدْ جَلَّ أَمْرٌ كَانَ مِنْهُ انْتِظَامُهَا ** وَقَدْ عُطِّلَتْ مِنْ مَالِكيْهَا عِشَارُهَا

فَإِمَّا لِدَارٍ لَيْسَ يَفْنَى نَعِيمُهَا ** وَأَمَّا لِدَارٍ لا يُفَكُّ إِسَارُهَا

بِحَضْرَةِ جَبَّارٍ رَفِيقٍ مُعَاقِبٍ ** فَتُحْصَى الْمَعَاصِي كُبْرُهَا وَصِغَارُهَا

وَيَنْدَمُ يَوْمَ الْبَعْثِ جَانِي صِغَارِهَا ** وَتُهْلِكَ أَهْلِيهَا هُنَاكَ كِبَارُهَا

سَتُغْبَطُ أَجْسَادٌ وَتَحْيَا نُفُوسُهَا ** إِذَا مَا اسْتَوى أَسْرَارُهَا وَجِهَارُهَا

إِذَا حَفُّهُمْ عَفْوُ الإِلَهِ وَفَضْلُهُ ** وَأسْكَنَهُمْ دَارًا حَلالاً عِقَارُهَا

يَفزُّ بَنُو الدُّنْيَا بِدُنْيَاهُمْ الَّتِي ** يَظُنُّ عَلَى أَهْلِ الْحُظُوظِ اقْتِصَارُهَا

هَيِ الأُمُّ خَيْرُ الْبَرِّ فِيهَا عُقُوقُهَا ** وَلَيْسَ بِغَيْرِ الْبَذْلِ يُحْمَى ذِمَارُهَا

فَمَا نَالَ مِنْهَا الْحَظَّ إِلا مُهِينُهَا ** وَمَا الْهُلْكُ إِلا قُرْبُهَا وَاعْتِمَارُهَا

تَهَافَتَ فِيهَا طَامِعٌ بَعْدَ طَامِعٍ ** وَقَدْ بَانَ لِلُّبِ الذَّكِيّ اخْتِبَارُهَا

تَطَامَنْ لِغَمْرِ الْحَادِثَاتِ وَلا تَكُنْ ** لَهَا ذَا اعْتِمَارٍ يَجْتَنِبْكَ غِمَارُهَا

وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ مِنْهَا بِمَا تَرَى ** فَقَدْ صَحَّ فِي الْعَقْلِ الْجَلِيِّ عِيَارُهَا

رَأَيْت مُلُوكَ الأَرْضِ يَبْغُونَ عُدَّةً ** وَلَذَّةِ نَفْسٍ يُسْتَطَابُ اجْتِرَارُهَا

وَخَلُّوا طَرِيقَ الْقَصْدِ فِي مُبْتَغَاهُمُ ** لِمُتْبِعَةِ الصِّفَارُ جَمٌّ صِغَارُهَا

وَإِنَّ الَّتِي يَبْغُونَ نَهْجَ بَقِيَّةٍ ** مَكِين لِطُلابِ الْخَلاصِ اخْتِصَارُهَا

هَلْ الْعِزُّ إِلا هِمَّةٌ صَحَّ صَوْنُهَا ** إِذَا صَانَ هَمَّاتُ الرِّجَالِ انْكِسَارُهَا

وَهَلْ رَابِحٌ إِلا امْرُؤٌ مُتَوَكِّلٌ ** قُنُوعٌ غَنِيُّ النَّفْسِ بَادٍ وَقَارُهَا

وَيَلْقَى وُلاةُ الْمُلْكِ خَوْفًا وَفِكْرَةً ** تَضِيقُ بِهَا ذَرْعًا وَيَفْنَى اصْطِبَارُهَا

عَيَانًا نَرَى هَذَا وَلَكِنْ سَكْرَةً ** أَحَاطَتْ بِنَا مَا أَنْ يَفِيقُ خُمَارُهَا

تَدَبَّرْ مَن الْبَانِي عَلَى الأَرْضِ سَقْفَهَا ** وَفِي عَلْمِهِ مَعْمُورُهَا وَقِفَارُهَا

وَمَنْ يُمْسِكُ الإِجْرَامَ وَالأَرْضَ أَمْرُهُ ** بِلا عَمَدٍ يُبْنَى عَلَيْهِ قَرَارُهَا

وَمَنْ قَدَّرَ التَّدْبِيرَ فِيهَا بِحِكْمَةٍ ** فَصَحَّ لَدَيْهَا لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا

وَمن فَتقَ الأَمْوَاهَ فِي صَفْحِ وَجْهِهَا ** فَمِنْهَا يُغَذَّى حَبُّهَا وَثِمَارُهَا

وَمَنْ صَيَّرَ الأَلْوَانَ فِي نُورِ نَبْتِهَا ** فَأَشْرَقَ فِيهَا وَرْدُهَا وَبَهَارُهَا

فَمِنْهُنَّ مُخْضَرٌّ يَرُوقُ بِصَيْصُهُ ** وَمِنْهُنَّ مَا يَغْشَى اللِّحَاظَ احْمِرَارُهَا

وَمَنْ حَفَرَ الأَنْهَارَ دُونَ تَكلُّفٍ ** فَثَارَ مِنَ الصُّمِّ الصِّلابِ انْفِجَارُهَا

وَمَنْ رَتَّبَ الشَّمْسَ الْمُنِيرَ ابْيِضَاضُهَا ** غُدوًّا وَيَبْدُو بِالْعَشِيّ اصْفِرَارُهَا

وَمَنْ خَلَقَ الأَفَلاكَ فَامْتَدَّ جَرْيُهَا ** وَأَحْكَمَهَا حَتَّى اسْتَقَامَ مَدَارُهَا

وَمَنْ إِنْ أَلمتْ بِالْعُقُولِ رَزِيَّةٌ ** فَلَيْسَ إِلَى حَيٍّ سِوَاهُ افْتِقَارُهَا

تَجِدْ كُلَّ هَذَا رَاجِعٌ نَحْوَ خَالِقٍ ** لَهُ مُلْكُهَا مُنْقَادَةً وَائْتِمَارُهَا

أَبَانَ لَنَا الآيَاتِ فِي أَنْبِيَائِهِ ** فَأَمْكَنَ بَعْدَ الْعَجْزِ فِيهَا اقْتِدَارُهَا

فَأَنْطَقَ أَفْوَاهًا بِأَلْفَاظِ حِكْمَةٍٍ ** وَمَا حَلَّهَا إِثْغَارُهَا وَاتِّغَارُهَا

وَأَبْرِزَ مِنْ صُمٍّ الْحِجَارَةِ نَاقَةً ** وَأَسْمَعُهُمْ فِي الْحِينِ مِنْهَا حُوَارُهَا

لِيُوقِنَ أَقْوَامٌ وَتَكَفُّرِ عُصْبَةً ** أَتَاهَا بِأَسْبَابِ الْهَلاكِ قدَارُهَا

وَشَقَّ لِمُوَسَى الْبَحْرَ دُونَ تَكَلُّفُ ** وَبَانَ مِنَ الأَمْوَاجِ فِيهِ انْحِسَارُهَا

وَسَلَّمَ مِنْ نَارِ الأَنُوقَ خَلِيلَهُ ** فَلَمْ يُؤْذِهِ إِحْرَاقُهَا وَاعْتِرَارُهَا

وَنَجَى مِن الطُّوفَانِ نُوحًا وَقَدْ هَدَّتْ ** بِهِ أُمَّةٌ أَبدَى الْفُسُوقَ شِرَارُهَا

وَمَكَّنَ دَاوُدًا بِأَيْدٍ وَابْنَهُ ** فَتَعْسِيرُهَا مُلْقَىً لَهُ وَبِدَارِهَا

وَذِلَّلِ جَبَّارَ الْبِلادِ بِأَمْرِهِ ** وَعَلَّمَ طَيْرًا فِي السَّمَاءِ حِوَارُهَا

وَفَضَّلَ بِالْقُرْآنِ أُمَّةَ أَحْمَدٍ ** وَمَكَّنَ فِي أَقْصَى الْبِلادِ مُغَارُهَا

وَشَقَّ لَهُ بَدْرَ السَّمَاءِ وَخَصَّهُ ** بِآيَاتٍ حَقٍّ لا يُخَلُّ مُعَارُهَا

وَأَنْقَذَنَا مِنْ كُفْرٍ أَرْبَابِنَا بِهِ ** وَقَدْ كَانَ عَلَى قُطْبِ الْهَلاكِ مَنَارُهَا

فَمَا بَالُنَا لا نَتْرُكُ الْجَهْلَ وَيْحَنَا ** لِنُسْلَمُ مِنْ نَارٍ تَرَامَى شَرَارُهَا

اللَّهُمَّ تب عَلَيْنَا قبل أن تشهد عَلَيْنَا الجوارح ونبهنا من رقدات الغفلات وسامحنا فأَنْتَ الحليم المسامح وانفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا فمنك الفضل والمنائح وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.